أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

62

كتاب النسب

وكذلك في قول يزيد بن الحذاق الشني معتزا بقومه : يتأبى لنا أنا ذوو أنف * وأصولنا من محتد المجد « 1 » ولم يكن الشعر الجاهلي المصدر الوحيد الذي أكد اهتمام العرب بأنسابهم وأصولهم بل أيد ذلك أيضا بعض الكتابات الجاهلية التي ذكرت أسماء جملة أجداد لأشخاص دونوا أسماءهم في تلك الكتابات ، فقد دون على شاهد قبر ( معن ) اسم أبيه وجدين من أجداده « 2 » . وهناك أمثلة أخرى تثبت عناية العرب في الجاهلية بأنسابهم وحفظها وهي من أهم المزايا التي حافظ عليها العرب إلى هذا اليوم ، فحاجة العربي للنسب كحاجة إنسان اليوم للوطن والجنسية فهو الذي يحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه . ويعود سبب هذه العناية بالأنساب إلى طبيعة البناء القبلي الذي أثرت في تكوينه ظروف البيئة الطبيعية ، حيث كان النسب حجر الأساس الذي قام عليه هذا البناء ، والركن الهام الذي استمر وجوده ، ولم يكن من السهل الاستغناء عنه حتى بعد أن أقام العرب دولتهم الكبرى وأسسوا حواضر مزدهرة ارتبطت بها أصقاع شتى . فالطبيعة والمناخ جعلا العصبية القبلية رابطة أساسية تجمع الأفراد . ولاختلاف مظاهر البيئة من الجنوب إلى الشمال في شبه جزيرة العرب ، أكبر الأثر في تشكيل المجتمع بين بدو رحل في الشمال وحضر مستقرين في الجنوب ، ولكن النظام القبلي سيطر على المجموعتين . فالإقليم الذي عاش فيه عرب الشمال ، لا يصد هواءه بناء ولا يحجب شمسه غيم ، ولا يحبس أمطاره وسيوله سد ، كل شيء فيه حر على الفطرة « 3 » ، أشعة شمس لاذعة تشوي الوجوه ، أعاصير وعواصف ( رياح السموم ) ترفع الرمال وتحطها على هواها ، ندرة في الأنهار ، إسراف في البوادي والصحاري كأنها بحر من رمال لا حدود له . أمطار شحيحة لقلتها كانت الغيث الذي ينقذ من الهلاك والفناء « 4 » .

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 296 . ( 2 ) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، جواد علي طبعة بيروت 42 / 353 ، 4 / 353 . ( 3 ) فجر الإسلام ، أحمد أمين ، ص 46 . ( 4 ) العصر الجاهلي شوقي ضيف نشر دار المعارف القاهرة ص 21 .